عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

112

اللباب في علوم الكتاب

قال القرطبيّ « 1 » : أما لعن الكفّار جملة من غير تعيين ، فلا خلاف فيه ؛ لما روى مالك ، عن داود بن الحصين ، أنّه سمع الأعرج يقول : « ما أدركت النّاس إلّا وهم يلعنون الكفرة في رمضان ، وسواء كانت لهم ذمّة أو لم تكن ، وليس ذلك بواجب ، ولكنّه مباح » . قوله تعالى : « والملائكة » الجمهور على جرّ الملائكة ؛ [ نسقا على اسم اللّه تعالى ] « 2 » ، وقرأ الحسن « 3 » بالرّفع ، « والملائكة والنّاس أجمعون » وخرّجها النحاة على العطف على موضع اسم اللّه تعالى ، فإنه وإن كان مجرورا بإضافة المصدر ، فموضعه رفع بالفاعلية ؛ لأنّ هذا المصدر ينحلّ لحرف مصدريّ ، وفعل ، والتقدير : « أن لعنهم » ، أو « أن يلعنهم اللّه » ، فعطف الملائكة على هذا التّقدير . قال أبو حيان « 4 » : وهذا ليس بجائز على ما تقرّر من العطف على الموضع ، فإنّ من شرطه : أن يكون ثمّ محرز للموضع ، وطالب ، والطالب للرفع وجود التّنوين في المصدر ، هذا إذا سلّمنا أن « لعنة » تنحلّ لحرف مصدريّ ، وفعل ؛ لأنّ الانحلال لذلك شرطه أن يقصد به العلاج ؛ ألا ترى أنّ قوله : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ هود : 18 ] ليس المعنى على تقدير : أن يلعن اللّه على الظالمين ، بل المراد اللّعنة المستقرّة ، وأضيفت للّه على سبيل التّخصيص ، لا على سبيل الحدوث . ونقل عن سيبويه « 5 » : أنّ قولك : هذا ضارب زيد غدا وعمرا ، بنصب « عمرا » : أنّ نصبه بفعل محذوف ، وأبى أن ينصبه بالعطف على الموضع ، ثم بعد تسليمه ذلك كلّه ، قال : المصدر المنوّن لم يسمع بعده فاعل مرفوع ، ومفعول منصوب ، إنّما قاله البصريّون قياسا على « أن والفعل » ومنعه الفرّاء ، وهو الصحيح ثم إنّه خرّج هذه القراءة الشّاذّة على أحد ثلاثة أوجه : الأول : أن تكون الملائكة مرفوعة بفعل محذوف ، أي : « وتلعنهم الملائكة » ؛ كما نصب سيبويه « عمرا » في قولك « ضارب زيدا وعمرا » بفعل محذوف . الثاني : أن تكون الملائكة عطفا على « لعنة » بتقدير حذف مضاف ، أي : « ولعنة الملائكة » فلمّا حذف المضاف ، أقيم المضاف إليه مقامه . الثالث : أن يكون مبتدأ قد حذف خبره تقديره « والملائكة والنّاس أجمعون تلعنهم » وهذه أوجه متكلّفة ، وإعمال المصدر المنوّن ثابت ؛ غاية ما في الباب : أنه قد يحذف فاعله ؛ كقوله أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً [ البلد : 14 - 15 ] وأيضا : فقد أتبعت

--> ( 1 ) ينظر تفسير القرطبي : 2 / 127 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر الدر المصون : 1 / 418 ، والبحر المحيط : 1 / 635 ، والمحرر الوجيز : 1 / 232 . ( 4 ) ينظر البحر المحيط : 1 / 635 . ( 5 ) ينظر الكتاب : 1 / 56 ، 1 / 86 .